Articles

Catégorie جديد 2007: The activities for new year 2007

الا رسول الله (ص(

المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم(7)

المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم(7)

 

(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)

إعداد/ وليد نور

مقدمة عن تعريف المعجزة وخصائصها:

من أعظم دلائل صدق الأنبياء ما أعطاهم الله من معجزات وآيات خارقة للعادة، وقد أُعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها الكثير، والمراد من المعجزات الشيء الخارق للعادة الذي يعجز البشر عن الإتيان بمثله فيكون ما يأتي به النبي معجزًا لغيره من سائر الناس، بحيث لم يقدروا عليه أفرادًا أو جماعات؛ لأنه خارج عن طوق البشر واستطاعتهم.

ولفظ المعجزة غير وارد في القرآن الكريم، وإنما الوارد لفظ الآية؛ لأنّ الأصل في الآية العلامة الدالة على الشيء، إذ يقول الإنسان لأخيه: فلان يقول لك: أعطني كذا أو كذا، فيقول له: ما آية ذلك؟ أي: ما علامته أنه قال: أعطه كذا أو كذا؟ فيريه خاتمه أو كتابه أو سيفه أو أي شيء خاص به فيكون ذلك آية وعلامة على صدق ما ادعاه وطالب به.

ولا تحصل المعجزة الخارقة للعادة إلا مع النبوة الصادقة، فالمعجزة دليلٌ على النبوة الصادقة،

هي: آية الله الخارقة الدالة على النبوة الصادقة.

خصائص المعجزة:

أخص خواص المعجزة خرق العادة، والمقصود بخرق العادة: مخالفة سنن الطبيعة، وخواص المادة، وقانون الأسباب والمسبّبات.

ومن خصائص معجزات الأنبياء أنها لا تقع إلا لنبي فلا يستطيع ساحر أو كاهن أو غيرهما أن يأتي بمثلها، وإذا قررنا ذلك فإن المعجزات لا يأتي بها أو بمثلها من يكذّب بنبوة الأنبياء، ولا من يدّعي نبوّة كاذبة.

ومن خصائص المعجزة أنها لا تكون إلا في زمن النبوات وقد ختمت النبوات ببعثة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم.

ولا يشترط في معجزات الأنبياء أن يقرنها النبي بتحدي معارضيه أن يأتوا بمثلها، وذلك لأن المعجزة قد تكون لنصرة النبي أو لمساعدة أتباعه مثل ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكثير الطعام ونبع الماء بين يديه.

ومن أخص خصائص المعجزات أنّه لا يُمكن معارضتها، فإذا عجز النوع البشري غير الأنبياء عن معارضتها، كان ذلك أعظم دليل على اختصاصها بالأنبياء، بخلاف ما كان موجوداً لغيرها، وكان ذلك دليل على صحة نبوة صاحب هذه المعجزة، وسوف نرى في معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنه لم يستطيع أحد في السابق ولا في الحاضر معارضتها أو الإتيان بمثلها، وأعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم في ذلك القرآن الكريم.

روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: أنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ أَوْ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

يقول الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "قوله: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي) هذا دال على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة، (من الآيات) أي المعجزات الخوارق.

قوله: (ما مثله آمن عليه البشر).. المثل يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه، والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن به لأجلها، وعليه بمعنى اللام أو الباء الموحدة، والنكتة في التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي يؤمن بذلك مغلوبا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يجحد فيعاند، كما قال الله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما) وقال الطيبي : الراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال، أي مغلوبا عليه في التحدي، والمراد بالآيات المعجزات وموقع المثل موقعه من قوله : (فأتوا بسورة من مثله) أي على صفته من البيان وعلو الطبقة في البلاغة".

المعجزة مستلزمة للإيمان بالنبي:

إذا ثبتت المعجزة، فإنها تستلزم صدق النبي الذي أتي بها، ويجب على من رآها أو علم بها أن يؤمن بنبوة هذا النبي ويصدقه فيما أخبر ويطيعه فيما أمر، ومن أخبر عن نبوّة نبيّ من الأنبياء، وأتى بآيةٍ على صدقه في خبره، كانت تلك آية ودليلاً على نبوّة النبيّ، وأنّ إخبار المخبر بنبوته صدق.

بل كون غيره هو المخبر، الآتي بالعلامة أبلغ، ولهذا كانت من أعظم آيات النبي: إخبار غيره من الأنبياء بنبوّته.

والآيات كلّها شهادة بالنبوة، وإخبارٌ بها، وتصديق للمخبر؛ فهي تستلزم ثبوت النبوّة في نفسها، وأنّ صاحب الآيات قد نبأه الله، وأوحى إليه؛ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء، وتستلزم أيضاً: صدق الإخبار بأنّه نبيّ؛ فهو إذا قال: إنّي نبيّ، كان صادقاً، وكذلك كل من أخبر بنبوته، فإنّه يكون صادقاً.

الفروق بين آيات الأنبياء وغيرها من خوارق العادات:

مع تقدم أدوات العلم وسبل المعرفة، قد يظن البعض أن معجزات الأنبياء تشبه ما يفعله السحرة أو غيرهم من أشياء قد تظهر وكأنها خارقة للعادة، غير أن هناك فروق واضحة جلية بين معجزات الأنبياء وغير ذلك من خوارق العادات الموهومة، نجملها فيما يلي:

الأول: النبيّ صادقٌ فيما يخبر به عن الكتب، لا يكذب قط، ومن خالفهم من السحرة، والكهّان، لا بُدّ أن يكذب.

الثاني: الأنبياء لا يأمرون إلاَّ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأعمالهم البر والتقوى، ومخالفوهم يأمرون بالشرك، والظلم، ويعظّمون الدنيا، وفي أعمالهم الإثم والعدوان.

الثالث: أنَّ السحر، والكهانة، ونحوهما أمور معتادة معروفة لأصحابها، ليست خارقة لعادتهم. وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن اتّبعهم.

الرابع: الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلّمه، وسعيه، واكتسابه، وهذا مجرّبٌ عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنّه لا ينالها أحدٌ باكتسابه فهي اصطفاء واختيار من الله عزوجل.

الخامس: لو قُدِّر أنَّ النبوّة تنال بالكسب، فإنّما تُنال بالأعمال الصالحة، والصدق، والعدل، والتوحيد، لا تحصل مع الكذب على من دون الله، فضلاً عن أن تحصل مع الكذب على الله. فالطريق الذي تحصل به لو حصلت بالكسب مستلزمٌ للصدق على الله فيما يُخبر به.

السادس: ما يأتي به الكهّان، والسحرة، لا يخرج عن كونه مقدوراً للجنّ والإنس، وهم مأمورون بطاعة الرسل، وآيات الرسل لا يقدر عليها؛ لا جنّ، ولا إنس، بل هي خارقة لعادة كلّ من أُرسل النبيّ إليه.

السابع: أنَّ هذه يمكن أن تُعارض بمثلها. وآيات الأنبياء لا يمكن أحداً أن يعارضها بمثلها.

الثامن: أنَّ تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كلّ ضربٍ منها معتادٌ لطائفة غير الأنبياء. وأما آيات الأنبياء: فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدّقهم.

التاسع: أنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم؛ كإنزال القرآن، وتكليم موسى. وتلك تقدر عليها الجنّ والشياطين.

العاشر: أنَّ النبي لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد؛ فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق؛ وينهى عن الشرك، والكذب، والظلم. فالعقول، والفطر توافقه؛ كما توافقه الأنبياء قبله؛ فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عمّا جاء به.

الحادي عشر: السحرة يذم بعضهم بعضاً، والأنبياء يصدّق بعضهم بعضاً.

هذه هي الفوارق الظاهرة بين الأنبياء وغيرهم ممن يدعون قدرتهم الإتيان بأمور خارقة وأفعال باهرة، وبهذه الفوارق يتضح لنا بجلاء أن معجزة واحدة يأتي بها النبي كافية في الإيمان به والتصديق بخبره والطاعة لأمره، فكيف إذا كان الحال وقد كثرت المعجزات وزادت حتى بلغت المئات وشهدها ورأها من البشر الآلاف، وهذا هو حال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهذا ما نقدم منه أمثلة في هذه الرسالة، فمن صفا قلبه وصدق يقينه فلابد له من أن يؤمن بهذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.

 

المعجزات الظاهرة والآيات الباهرة على نبوة سيد البرية صلى الله عليه وسلم:

لرسول الله وخاتم النبيين محمد  صلى الله عليه وسلم معجزات كثيرة أكرمه الله تعالى بها، عدها بعض أهل العلم فبلغت ألف معجزة إن لم تكن أكثر من ذلك، ونورد هنا فقط بعض الأمثلة على هذه المعجزات.

1- القرآن الكريم:

القرآن الكريم هو أعظم معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو أعظم معجزات الأنبياء جميعهم، لأنه معجزة خالدة باقية فقد تعهد الله عز وجل بحفظه ما دامت السماوات والأرض.

فالقرآن الكريم أعظمَ ما أوتيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم دلالة على صحةِ رسالته، وهو نفسُ رسالتِه المتمثلةِ في شِقِّها الأولِ بالقرآنِ العظيمِ الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه.

قال الله عز وجل: "قَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [العنكبوت:51].

يقول الحافظ ابن كثير: "أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم، الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 197]، وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى} [طه: 133]".

سر كون القرآن المعجزة العظمي:

تحدث الحافظ ابن حجر رحمه الله عن السر الذي صار القرآن الكريم من أجله أعظم معجزات الأنبياء، فقال رحمه الله في شرحه لحديث أبي هريرة رضى الله عنه "إنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ أَوْ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

"قوله: (وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي) أي إن معجزتي التي تحديت بها الوحي الذي أنزل علي وهو القرآن لما اشتمل عليه من الإعجاز الواضح، وليس المراد حصر معجزاته فيه ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أوتي من تقدمه، بل المراد أنه المعجزة العظمى التي اختص بها دون غيره، لأن كل نبي أعطي معجزة خاصة به لم يعطها بعينها غيره تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبي تقع مناسبة لحال قومه كما كان السحر فاشيا عند فرعون فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع السحرة لكنها تلقفت ما صنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره وكذلك إحياء عيسى الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزمان في غاية الظهور، فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل قدرتهم إليه، ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم في الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذي تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك.

وقيل المراد أن القرآن ليس له مثل لا صورة ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات فإنها لا تخلو عن مثل.

وقيل المراد أن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو حقيقة، والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ".

وقيل المراد أن الذي أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره فإنه قد يقع في معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه فيحتاج من يميز بينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما.

وقيل المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها، ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات، وتكميله في الذي بعده.

وقيل المعنى أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذي يشاهد بعين الرأس ينقرض بانقراض مشاهده، والذي يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرً.

قلت: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها في كلام واحد ؛ فإن محصلها لا ينافي بعضه بعضا.

قوله: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)

رتب هذا الكلام على ما تقدم من معجزة القرآن المستمرة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون، فعم نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجوى المذكورة على ذلك، وهذه الرجوى قد تحققت، فإنه أكثر الأنبياء تبعا".

فالقرآنُ الكريمُ هو المعجزةُ الخالدةُ للرسالةِ المحمدية، وذلك أن المعجزاتِ الأخرى معجزاتٌ وقتِيَّةٌ، ودلالتُها على صحةِ الرسالةِ لا تكونُ إلا لمن عايَنَها، ولذا خصَّ النبيُّ  صلى الله عليه وسلم هذه المعجزةَ هنا بالذكرِ، وناسبت هذه المعجزة رسول الله  صلى الله عليه وسلم لأنه خاتم النبيين ولابد من أن تكون معجزته خالدة باقية على مر العصور والدهور.

بعض أوجه إعجاز القرآن الكريم:

لا يتسع المقال للحديث عن جميع أو أكثر أوجه إعجاز القرآن الكريم، وذلك لكثرتها وعظمتها فما من آية من القرآن الكريم إلا وهي معجزة قائمة بذاتها تدل الناس على الإيمان بالله عزوجل والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

أ- الإعجاز البلاغي واللغوي:

ومن أظهر أوجه إعجاز القرآن الكريم، الإعجاز اللغوي والبلاغي، فقد نزل القرآن على نبي كريم لا يقول الشعر في بيئة تتقن الشعر وتملك زمام لغة من أقوى اللغات وأوسعها معجمًا، ورغم ما مثل لهم القرآن من تحدى إلا إنهم لم يستطيعوا مواجهته أو الإتيان بآية مثله، وأقروا بإعجازه.

إن من أعظم خصائص معجزات الأنبياء أنها خارجةٌ عن مقدور من أُرسل الأنبياء إليه؛ وهم الجنّ والإنس؛ فلا تقدر الإنس والجن أن يأتوا بمثل معجز الأنبياء؛ لذلك تحدى الله عزوجل لا العرب وحدهم بل الإنس والجن جميعهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فقال تعالي: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]، وتحدى الله تبارك وتعالي المنكرين أن يأتوا بعشر سور فقال: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [هود:13-14]، وتحداهم الله عز وجل أن يأتوا بسورة واحدة فقال: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [يونس: 37-39]، ولم يستطيع المنكرون أن يأتوا بمثله أو أن يطعنوا في بلاغتها وإعجازه اللغوي، وليس في ذلك عجب فإنه كلام خالق الأكوان جميعًا الله رب العالمين.

يقول الفخر الرازي: " لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته، لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه - إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته - كان يجوز خلافه، وتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام ولا يجزم به فلما جزم دل على أنه كان قاطعاً في أمره".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا (أي هذا التحدي المذكور في الآية) لا يقدم عليه من يطلب من الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك، إذ لو كان عنده شك في ذلك، لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر، فيفسد عليه قصده".

ويمكن إجمال إعجاز القرآن الكريم البلاغي واللغوي في النقاط التالية:

"1ـ نظمُ القرآنِ ككُلٍّ خارجٌ عن المألوفِ من كلامِ العربِ كالشعرِ والنثرِ وغيرِ ذلك.

2ـ فصاحةُ الألفاظِ، وقوةُ المعاني، وكثرةُ الحِكَمِ، مع عدمِ التفاوتِ والاختلافِ، مما لا يُعرَفُ في أسلوبِ أحدٍ من البشرِ، قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء : 82].

3- اشتمالُ القرآنِ على كثيرٍ من الأغراضِ، مثل: القصصِ، والمواعظِ، والحِكَمِ، والإعذارِ، والإنذارِ، والأحكامِ. وقد جاءَ في أروعِ ما يمكنُ أن يكونَ من براعةِ النظم والتأليف. أما الشاعرُ البليغُ فلا يُجيدُ إلا لوناً واحداً أو لونينِ، فإذا خرجَ عما اعتادَ عليه وبرَعَ فيه، أساءَ وقصَّرَ.

4- أنه وقعَ موقِعاً من البلاغةِ، عجزَ عن الإتيانِ بمثلِه الجنُّ كما عجزَ الإنسُ، لأنه تحدّاهم فلم يستطيعوا.

5- اشتمالُه على جميعِ أنواعِ البلاغةِ، ويتجاوزُها إلى ما لم يعرفْه العربُ ولا يستطيعونه.

6- أنه تألَّفَ من حروفِ العربِ، وقد افْتُتِحَتْ بعضُ السورِ بهذه الحروفِ تنبيهاً على ذلك، ومع هذا فلم يستطيعوا أن يأتُوا بمثله.

7- أتى في أسلوبٍ سهلٍ لا غموضَ فيه، له تأثيرٌ عجيبٌ في النفوسِ، يبادرُ معناه لفظَه إلى القلب".

ب- إعجاز القرآن الكريم الغيبي:

ومن الصور الباهرة لإعجاز القرآن الإخبار بوقائع الأمم المتقدمة، وقصص الأنبياء السابقين بشكل لا مثيل له يفوق ما ورد في التوراة والإنجيل من قصص السابقين.

لقد حوى القرآن الكريم من قصص السابقين الكثير وحوى من أسرارها ما لم يأتي في كتاب آخر، مما ينسف أية شبهة أو زعم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن من نصارى أو يهود، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قومه يعلمون بخبر الأمم السابقة قبل أن ينزل القرآن الكريم بذلك، "فإذا لم يكن قومه يعلمون ذلك لا من أهل الكتاب ولا من غيرهم وهو لم يعاشر إلا قومه وقومه يعلمون ذلك منه ويعلمون أنهم لم يكونوا يعلمون ذلك ويعلمون أيضا أنه هو لم يكن تعلم ذلك وأنه لم يكن يعاشر غيرهم وهم لا يعلمون ذلك صار هذا حجة على قومه وعلى من بلغه خبر قومه".

ولقد جاء في القرآن الكريم تفصيل أخبار الأنبياء السابقين بشيء لا يوجد في الكتب المتقدمة، فقد "أخبر عن قصة آدم وسجود الملائكة له وتزيين إبليس له حتى أكل من الشجرة وهبط هو وزوجه، وأخبر عن قصة نوح ومكثه فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما وهذا في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب مقدار لبثه في قومه قبل الغرق وبعده، وأخبر عن قصة الخليل وما جرى له مع قومه وإلقائه في النار وذبح ولده ومجيء الملائكة إليه في صورة ضيفان وتبشيره بإسحاق ويعقوب وذهاب الملائكة إلى لوط وما جرى للوط مع قومه وإهلاك الله مدائن قوم لوط وقصة إسرائيل مع بنيه كقصة يوسف وما جرى له بمصر وقصة موسى مع فرعون وتكليم الله إياه مرة بعد مرة وآياته كالعصا واليد البيضاء والقمل والضفادع والدم وفلق البحر وتظليل الغمام على بني إسرائيل وإطعامهم المن والسلوى وانفجار الماء من الحجر اثني عشر عينا لسقيهم وعبادتهم العجل وقتل بعضهم بعضا لما تاب الله عليهم وقصة البقرة ونتق الجبل فوقهم وقصة داود وقتله لجالوت وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم وقصة الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه وغير ذلك من أحوال بني إسرائيل إلى أن ذكر قصة زكريا وابنه يحيى وعيسى بن مريم وأحوال المسيح وآياته ودعائه لقومه والآيات التي بعث بها وتفاصيل ذلك وذكر قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وغير ذلك من قصص الأنبياء والصالحين والكفار مفصلة مبينة بأحسن بيان وأتم معرفة مع علم قومه الذين يعرفون أحواله من صغره إلى أن ادعى النبوة أنه لم يتعلم هذا من بشر بل لم يجتمع هو بأحد من البشر يعرف ذلك ولا كان عندهم بمكة من يعرف ذلك لا يهودي ولا نصراني ولا غيرهم فكان هذا من أعظم الآيات والبراهين لقومه بأن هذا إنما أعلمه به وأنبأه به الله ومثل هذا الغيب لا يعلمه إلا نبي أو من أخذ عن نبي فإذا لم يكن هو أخذه عن نبي تعين أن يكون نبيا".

الرد على الشبهات المتعلقة بأخبار الأمم السابقة:

أما المزاعم بأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم تلقي خبر هذه الأمم السابقة من رهبان أو أحبار فهو من أبطل الباطل الذي يعلمه كل منصف، ويدل على بطلانه أمور:

"الأول: أن قومه المعادين له الذين هم من أحرص الناس على القدح في نبوته مع كمال علمهم لو علموا أنه تعلم ذلك من بشر لطعنوا عليه بذلك وأظهروه فإنهم مع علمهم بحاله يمتنع أن لا يعلموا ذلك لو كان ومع حرصهم على القدح فيه يمتنع أن لا يقدحوا فيه ويمتنع أن لا يظهر ذلك.

الثاني: أنه قد تواتر عن قومه أنهم كانوا يقولون أنه لم يكن يجتمع به من يعلمه ذلك.

الثالث: أنه لو كانت هذه القصص المتنوعة قد تعلمها من أهل الكتاب مع عداوته لهم لكانوا يخبرون بذلك ويظهرونه ولو أظهروا ذلك لنقل ذلك وعرف فإن هذا من الحوادث التي تتوفر الهمم والدواعي على نقله.

الرابع: أنه حين بُعث صلى الله عليه وسلم كان الناس إما مشركا وإما كتابيا فلم يكن هناك أحد على الدين الذي دعا إليه وقد علم الناس بالتواتر أن المشركين من قريش وغيرهم لم يكونوا يعرفون هذه القصص ولو قدر أنهم كانوا يعرفونها فهم أول من دعاهم إلى دينه فعادوه وكذبوه فلو كان فيهم من علمه أو يعلم أنه تعلم من غيره لأظهر ذلك.

الخامس: أن مثل هذا لو كان فلا بد أن يعرفه ولو خواص الناس وكان في أصحابه الذين آمنوا به من يعرف ذلك وكان ذلك يشيع ولو تواصوا بكتمانه كما شاع ما كتم من أمر الدول الباطنية ولكان خواصه في الباطن يعلمون كذبه وكان علمهم بذلك يناقض تصديقه في الباطن كما عرف في مثل ذلك فكيف وكان أخص أصحابه وأعلمهم بحاله أعظمهم محبة وموالاة بخلاف حال من يبطن خلاف ما يظهر فإن خواص أصحابه لا يعظمونه في الباطن.

فإنه علم الناس أن قومه الذين كانوا معادين له غاية العداوة وكانوا يطلبون القدح في نبوته بكل طريق يعلمون أنه لم يكن عندهم بشر يعلمه مثل هذا وأنه لم يكن في قومه ولا بلده من يعرف هذا، علم الناس ما علمه قومه أن هذا أنبأه به الله وكان هذا من أعلامه وآياته وبراهينه وهذا مما يبين الله في القرآن أنه من آياته وأنه حين أخبر قومه بهذا مع تكذيبهم وفرط عداوتهم له لم يمكن أحدا منهم أن يقول له بل فينا من كان يعلم ذلك وأنت كنت تعلم ذلك وقد تعلمته منا أو من غيرنا فكان إقرارهم بعدم علمه وعلمهم ومع فرط عداوتهم له آية بينة لجميع الأمم أنه لم يكن هو ولا هم يعلمون ذلك.

ولهذا لما كان بعضهم يفتري عليه فرية ظاهرة كانوا كلهم يعلمون كذبه وإذا اجتمعوا وتشاوروا في أمره يعرفون أن هذا كذب ظاهر عليه كما كان بعضهم يقول إنه مجنون وبعضهم يقول إنه كاهن وبعضهم يقول إنه ساحر وبعضهم يقول إنه تعلمه من بشر وبعضهم يقول أضغاث أحلام، فحكى الله أقوالهم مبينا لظهور كذب من قال ذلك وأنه قول ضال حائر قد بهره حال الرسول فحار فلم يدر ما يقول".

السادس: حوى القرآن من أخبار الأمم السابقة ما لم يأتِ في كتاب أو يعلمه حبر أو راهب، فقصة نبي الله هود لا ذكر لها في الكتب القديمة، وهناك من التفاصيل الكثيرة لم تذكر في الكتب القادمة، فأين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأخبار إن صح هذا الزعم الكاذب.

أما زعم بعض المشركين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي خبر الأمم السابقة من فتي أعجمي بمكة، فهو من أبين الكذب وأظهره، فهو وإن كان بمكة في هذا الوقت مولى أعجمي لبعض قريش قيل إنه مولى لبني الحضرمي، إلا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحسن أن يتكلم بلسان العجمي وذاك لا يحسن أن يتكلم بهذا الكلام العربي فلما قالوا إنه افترى هذا القرآن وأنه علمه إياه بشر قال تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ) [النحل:103] أي يضيفون إليه هذا التعليم وينسبونه إليه وعبر عنه بلفظ الإلحاد لما فيه من الميل فقال لسان هذا الشخص الذي قالوا إنه يعلمه القرآن لسان أعجمي وهم لم يمكنهم أن يضيفوا هذا التعليم إلى رجل عربي بل إلى هذا الأعجمي لكونه كان يجلس أحيانا إلى النبي وذلك الأعجمي لا يمكنه التكلم بهذا الكلام العربي بل هو أعجمي ومحمد لا يعرف العجمية لكن غاية ذلك الأعجمي كعبد بني الحضرمي أن يعرف قليلا من كلام العرب الذي يحتاج إليه في العادة مثل الألفاظ التي يحتاج إليها في غالب الأوقات كلفظ الخبز والماء والسماء والأرض ولا يعرف أن يقرأ سورة واحدة من القرآن.

فبين سبحانه ظهور كذبهم فيما افتروه ولم يقل أحد منهم ما يمكن أن يكون شبهة من تعلمه أنباء الغيب من علماء أهل الكتاب ونحو ذلك وإنما قالوا ما ظهر بطلانه لكل أحد ولم ينقل عن أحد منهم أنه قال قولا يخفى بطلانه بل ما يظهر كذبه لكل أحد فتبين أنه لم يمكنهم أن يقولوا إنه تعلم أخبار الغيوب من أحد".

لذلك أكد الله تبارك وتعالى في أكثر من موضع أن قصص الأمم السابقة هي من أنباء الغيب، فقال عقب ذكر قصة مريم: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران:44].

إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد تفرد القرآن الكريم بأخبار الأمم والأنبياء السابقين بما ينفى أية شبهة أو زعم يلقيه المنكرون والأعداء، ونعرض في هذا الشأن مثالين فقط؛ اخترناهما لأن البحوث التاريخية المعاصرة أكدت ما ذكره القرآن الكريم من أمور لم تأتي في الكتب السابقة، بم يدلل بما لا شك فيه أن هذا القرآن الكريم هو كلام الله رب العالمين.

Voir et commenter l'article



Rechercher dans les articles

Vous recherchez ? :



Recommander ce blog | Contacter l'auteur | Reporter un abus | S'abonner au blog Flux RSS du blog | Espace de gestion

Créer un blog gratuit avec Blog4ever



Parrainé par Actualité en ligne - News, information, nouveautés